زيارة مخيبة
أغضبت زيارة الرئيس السوري لروسيا 15 تشرين أول الماضي، أطرافًا متعددة متناقضة، بينها حسابات تواصل موالية للكرملين، كون الهجوم العسكري الروسي مدة عشر سنوات في سوريا، كان غرضه القضاء على "الإرهاب"، وهو اسم أطلقته روسيا على كل فصائل الثورة السورية العسكرية منذ أول يوم لهجومها، والدفاع عن نظام حليف، ما اعتبرته الحسابات خيانة لدماء جنود روس قتلوا في سوريا، ولقاء لا يتعدى مفاوضات ما بعد أول هزيمة عسكرية لروسيا منذ استلام بوتين الرئاسة.
الزيارة أثارت مشاعر الخيانة أيضًا بين موالي النظام السوري السابق الذين كانوا ما يزالون يتأملون بدور روسي ما لمنح مناطق علوية نوع من الاستقلال أو الحكم الذاتي بعد إسقاط نظامهم، فاتهمت حساباتهم على مواقع التواصل الرئيس الروسي بالخيانة، ومنع الجيش السوري من الصمود وقتال الثوار ما أدى إلى انهيار النظام.
حسابات تواصل أكرانية أيضًا عبرت عن انزعاجها من الزيارة كون أكرانيا كانت بين أوائل المهنئين للرئيس السوري بانتصاره على نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، حيث دشن الرئيس الأكراني زيلينسكي مؤخرًا إعادة علاقات بلاده الديبلوماسية مع سوريا، بعد اجتماع حميم مع الرئيس الشرع في نيويورك على هامش دورة الأمم المتحدة الواحدة والثمانين.
بين الأطراف الغاضبة بل أشدها (وصلت حد التخوين أيضًا)، كان جمهور الثورة السورية الذي قاسى عشر سنوات من هجمات أرض محروقة شنها طيران الروس، فقتلت آلاف المدنيين ودمرت أحياء بأكملها داخل حلب والغوطة الشرقية وإدلب.
وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تفوقًا روسيًا على تنظيم داعش في قتل المدنيين السوريين.

قواعد روسية على ساحل المتوسط
بحث الرئيسان قضايا مشتركة بين البلدين، أهمها قواعد روسية في سوريا، إثر أول زيارة للرئيس الشرع نحو موسكو بعد تمكنه من إسقاط النظام بشار الأسد الحليف للروس بعملية عسكرية 8 كانون أول العام الماضي.
وتستأجر روسيا قاعدتان على الساحل الروسي واحدة جوية في اللاذقية وأخرى بحرية في طرطوس مدة 49 سنة، بالإضافة إلى قاعدة في مطار القامشلي الواقع ضمن مناطق سيطر قسد، حيث أبدى الروس رغبتهم الحفاظ عليها بعد سقوط نظام الأسد. وأبدى الرئيس الشرع انفتاح حكومته على بقاء القواعد الروسية بشروط معينة، رغم مطالب أوروبية أمريكية للحكومة السورية الجديدة بإغلاق القواعد الروسية، وحنق جمهور الثورة السوري من جرائم نظام بوتين العسكرية في البلاد لحماية حليفه السابق بشار الأسد (الذي يمنحه اللجوء الإنساني اليوم في موسكو).
وكان وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قال في تصريحات سابقة إن القواعد الروسية في سوريا يمكن استخدمها لنقل "مساعدات إنسانية" نحو إفريقيا.
ويُفهم من تصريحات لافروف انتفاء الوظيفة العسكرية للقواعد الروسية بعد سقوط نظام الأسد وخسارتها المعركة العسكرية ضد الثوار السوريين، حيث كان تتباهى بتجريبها أكثر من مئتي سلاح لأول مرة داخل الأراضي السورية.
سوريا بحاجة علاقات متوازنة
ورغم سيل الإحباط والتخوين من كل الأطراف، أملت الواقعية السياسية إعادة تكوين العلاقات بين البلدين، هذه المرة بصورة متوازنة بعيدة عن الاستقطاب الدولي الذي فرضته الحرب الروسية على أكرانيا.
وأعرب الرئيس السوري أحمد الشرع عن عجز بلاده التغاضي عن العلاقات التاريخية مع الروس، وأبدى تفهمه للمصالح الروسي في غير مناسبة، مؤكدًا احترامه كل الاتفاقيات بين البلدين، مع مطالبه بتسليم رئيس النظام الساقط ليحاكم امام القضاء السورية ، وهو ما رفضه مسؤولون الروس أكثر من مرة.
العلاقات انقسمت هذه المرة إلى عسكرية، سياسية، وتجارية:
لم يستبعد مراقبون طلب الرئيس الشرع شراء مضادات جوية ربما تلعب دورًا في الحد من الهجمات الإسرائيلية المصاعدة منذ سقوط الأسد، أو صيانة العتاد الروسي المتوفر، وحتى نشر شرطة عسكرية على الحدود السورية الإسرائيلية لمنع توغلات إسرائيلي يومية نحو الداخل السوري. واجتمع وزير الدفاع السورية مرهف أبو قصرة البارحة 29 تشرين أول، مع نظيره الروسي أندريه بيلوسوف في موسكو، ما يعزز هذه الرواية.
كما أن سوريا مرتبطة بعقود نفط، وقمح روسية منذا أيام الأسد، حيث تستقبل الموانئ السورية شحنات منتظمة من المادتين. أما على الصعيد السياسي فسوريا بحاجة حق النقض الروسي في مجلس أمن الأمم المتحدة، لرفع عقوبات دولية على الرئيس وبعض شخصيات حكومته، أو منع عقوبات مستقبلية ضد سوريا إن احتاج الامر، ولا ينسى السوريون مرارة أربعة عشر نقض روسي لحماية نظام الاسد حتى من بيان إدانة دولي ضد جرائمه أربعة عشر سنة.
سوريا تقرير صحفي
Comments
Post a Comment