إن كنت من أنصار نظرية المؤامرة، الاستلام والتسليم، وصفقات البيع والشراء، فلا حاجة لك بالاستمرار في القراءة، هذه عملية نضالية قاسية استمرت ثلاثة عشر سنة، رافقها مئات آلاف القتلى ودمار غير مسبوق اجتماعي، اقتصادي وعسكري.
سقط نظام الأسد يوم 8\12\2024 بعد هجوم صاعق لفصائل الثورة أدى إلى سيطرتها على حلب ثم توسع الهجوم حتى وصل دمشق مرورًا بحماة وحمص.
الهجوم فاجئ الجميع دون استثناء حتى الأتراك المتهمون بدعم الفصائل، يدل على ذلك تصريحاتهم المتخبطة بعد بدء الهجوم ودعوتهم الصريحة لإيقافه، ووقفت أمامه القوى الإقليمية والعالمية عاجزة بسبب توقيته الاستثنائي:
• تركيا كانت حتى أيام قليلة من بدء الهجوم 27\11\2024، عمليًا تستجدي الأسد للمصالحة كونها تريد حلولًا لملفي حزب البي كي كي الإنفصالي والمهجرين السوريين المقدر عددهم بخمسة ملايين.
• إيران تلقت ضربة إسرائيلية ساحقة لذراعها القوي حزب الله، وهو أساس قوة الأسد البرية أمام الفصائل، جعل انهيار القوات الداعمة على الأرض حتمي، رغم تحريضها الحشد الشعبي العراقي على التدخل لحماية الأسد، لكن رئيس الوزراء العراقي السوداني نجح في منع تورط الحشد في المعركة.
• روسيا عمليًا مستنزفة في أكرانيا، وسحبت الجزء الأكبر من قواتها داخل سوريا نحو أوكرانيا، ما ترك الباقي من قواتها عاجز تمامًا عن تغطية مقاتلي الأسد تغطية جوية فعالة.
• أمريكا تشهد مرحلة انتقالية لتسليم السلطات تمنعها من اتخاذ أية قرارات حاسمة نحو أي ملف، والملف السوري بالنسبة لها أصلًا ملف ثانوي كما صرح الرئيس المنتخب ترمب مؤخرًا.
• إسرائيل منهكة من حربي غزة ولبنان، وهي تعتبر الحرب في سوريا أصلًا في مصلحتها كونها تستنزف قوات ما يعرف بمحور الممانعة، إضافةً لفصائل الثورة التي تعتبر عدوًا محتملًا أكثر تهديدًا من الأسد بسبب صبغتها الإسلامية.
السخرية في الأمر، أن أجهزة استخبارات عربية، وعالمية فشلت في استشعار الهجوم، رغم تصريح الجولاني قائد اكبر الفصائل المقاتلة قبل سنة نيته السيطرة على حلب، وتكثيف هيئة تحرير الشام والفصائل الأخرى عمليات التجنيد، معسكرات التدريب تمامًا لحظة واقعة البيجر، واغتيال حسن نصر الله، ورغم تسريبات كثيرة على وسائل التواصل، من حسابات ثورية فصائلية داخل إدلب عن اقتراب عملية عسكرية كبيرة.
ربما لا أحد يستطيع الإحاطة بعوامل تبخر النظام الأسدي بهذه السرعة، لكن تحديد العوامل الحاسمة ممكن وهي برأيي:
• الثورة أساسًا كانت تراكمية cumulative وجهت ضربات موجية متلاحقة للنظام، على يد الجيش الحر، والفصائل الإسلامية، إذ لولا التدخل الإيراني، الروسي، الداعشي، لكان نظام الأسد سقط عام 2013، يوم كان العالم كله يردد بأن أيام الأسد باتت معدودة.
• عقوبات قيصر الأمريكي، وحرمان النظام من آبار البترول الكبرى، جعل حاضنة النظام في حالة مأساوية من الفقر، أرغمته على تمني الخلاص حتى لوكان البديل الشيطان نفسه، لذلك عندما بدأ الهجوم الأخير كانت معنويات مقاتلي الأسد معدومة، فلا شيء يستحق القتال.
• قضاء إسرائيل عمليًا على حزب الله، حيّد القوة البرية الأكثر فعالية داخل صفوف القوات المدافعة عن النظام.
• إنهاك إيران في مواجهة إسرائيل التي أشعلها طوفان الأقصى، واستنزاف الروس في أكرانيا.
النجاح الساحق الذي حققه أحمد الشرع مع فصيله على الأرض دفع الغرب إلى إعادة تقييمه وفصيله تمهيدًا لرفعه عن قوائم الإرهاب، والاستسلام التدريجي لفكرة أنه السلطة السورية القادمة أو على الأقل عمودها الفقري، لعوامل عدّة أهمها:
• العالم أصلًا لا يُنصت إلا لمنطق القوّة والأقوياء، لذلك نرى أن ما يدعى بالمعارضة الخارجية، الحكومة المؤقتة، الائتلاف، لجنة مفاوضات تعديل الدستور، تبخرت تمامًا من أية مداولات.
• أوروبا تحديدًا لها مصلحة كبيرة بأي حل داخل سوريا يعيد سيل اللاجئين، لذلك توقفت عمليات منح اللجوء آليًا في النمسا، ألمانيا، بلجيكا، يوم سقوط الأسد.
• العالم أجمع لديه ملفات أشد سخونة ربما تفضي إلى حرب عالمية ثالثة، يضاف لها قدوم ترمب ذي التوجهات المعروفة.
اليوم يوجد مئات الملفات المُلحة أمام سلطة الثورة المتمثلة بالسيد أحمد الشرع، لكن أكثرها إلحاحًا برأيي:
• ملف مناطق سيطرة قسد\بي كي كي، لتحرير أهلنا هناك من قبضة التنظيم الأمنية، والاستفادة مما تحتويه من آبار نفط وغاز وأراض زاعية ثرية، والتي يعتبر استعادتها تحت سلطة الدولة الجديدة حاسمًا نحو عملية تنمية سريعة ملحة تُمكن الشعب المنهك من التقاط انفاسه، وتحقق السيطرة الجغرافية الكاملة، قطعًا لطريق الانفصال.
• ملف الفيلق الثامن في درعا بقيادة أحمد العودة المدعوم أساسًا من روسيا، والذي ربما يلعب دور حصان طروادة أو الثورة المضادة في الأيام المقبلة، والبارحة بالفعل اجتمع أحمد الشرع وأحمد العودة اجتماعًا حاسمًا لجهة استعادة محافظات درعا، السويداء، القنيطرة تحت سلطة الثورة، ومناقشة دور الفيلق المستقبلي، بعد إقامتها غرف عمليات مستقلة عن ردع العدوان اثناء وصول الأخيرة حمص، وهجومها من الجنوب، فيما يبدو استجابة سريعة لأوامر من أبو ظبي.
• فرض الأمن على كامل الجغرافيا، والبدء سريعًا بملاحقة مجرمي الحرب على امتداد البلاد وخارجها، نحو تحقيق العدالة الانتقالية.
مؤمن السوادي.
إضافة:
نشرت هذا التعليق العام الماضي ليتضح أن فيلق العودة الثامن لم يكن بتلك الخطورة، لكن العدوان الإسرائيلي (بدأ يواجه مقاومة شعبية)، وعقوبات قيصر الأمريكية (أزيلت ١١ كانون أول ٢٠٢٥) هما الأخطر خارجيًا، بالإضافة إلى قسد، والعنف الطائفي داخليًا، إذ رفض فلول الأسد الاقتناع برحيله فهاجموا القوات الحكومية في الساحل آذار الماضي، فيما رفض شيخ عقل الدروز حكمت الهجري في السويداء سلطة الحكومة السورية الجديدة وهاجمت ميليشيا تابعة له القوات الحكومية بدعم إسرائيلي، بينما يماطل قادة قسد في تطبيق اتفاق 10 آذار والاندماج بالقوات الحكومية السورية.

Comments
Post a Comment